حذر الدكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية الأسبق، من تداعيات تزايد التجزؤ فى الاقتصاد العالمى وتصاعد القيود التجارية والرسوم الجمركية، مؤكدًا أن اختلالات التجارة الدولية وتباطؤ الاقتصادات الكبرى تفرض ضغوطًا متزايدة على الدول النامية، وتؤثر فى فرص النمو والتصنيع، بما ينعكس على قطاعات استراتيجية، فى مقدمتها صناعة الحديد والصلب.
وقال «غالى» خلال كلمته بالقمة إن الاقتصاد العالمى يواجه 3 ضغوط رئيسية، تتمثل فى احتمالات عدم تحقق العوائد الإنتاجية المتوقعة من الاستثمارات الجديدة، وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تزايد أعباء الديون وتكلفة الاقتراض، موضحًا أن استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تصل إلى 170 دولارًا للبرميل قد يؤدى -وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولى- إلى تراجع النمو العالمى بنحو 1.1 نقطة مئوية.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يستحوذ على حصة أكبر من موازنات الحكومات، ويحد من قدرتها على توجيه الإنفاق إلى البنية التحتية والاستثمارات والمشروعات الصناعية والطرق والجسور، وهو ما ينعكس سلبًا على الطلب على الحديد والصلب.
منى الجرف خلال «قمة الصلب»: فائض الطاقة الإنتاجية العالمية مرشح للارتفاع إلى 745 مليون طنوأوضح أن الخطر الأكبر الذى يواجه الاقتصاد العالمى يتمثل فى التجزؤ، مع اتجاه الدول إلى فرض الرسوم الجمركية والقيود الكمية على التجارة، وإطلاق برامج للتصنيع المحلى تتنافس فيما بينها، مشيرًا إلى أن معايير الكفاءة التى كانت تحكم توزيع الإنتاج والتجارة عالميًا أصبحت تتراجع أمام اعتبارات الأمن الاقتصادى وتأمين مصادر الإمداد.
وأشار إلى أن الاختلالات الهيكلية فى الاقتصاد العالمى تعود جذورها إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، مع صعود الصين بوصفها قوة مهيمنة فى التصنيع العالمى، بالتوازى مع هيمنة الولايات المتحدة على التمويل الدولى.
ولفت إلى أن الصين تمثل نحو 16٪ من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، مقابل 26٪ للولايات المتحدة، لكنها تنتج نحو 30٪ من السلع المصنعة عالميًا، بينما لا يُستهلك داخل السوق الصينية سوى 13٪ منها، ما يجعل بقية الأسواق العالمية تستقبل الجزء الأكبر من هذا الإنتاج.
وأضاف أن الصين تعتمد على منظومة واسعة من الدعم وخفض القيمة الفعلية للعملة لتعزيز قدرتها التنافسية، لافتًا إلى تقديرات أشار إليها تفيد بأن اليوان مقوّم بأقل من قيمته الحقيقية بنسب تتراوح بين 30٪ و50٪.
وأوضح أن الفائض التجارى الصينى بلغ 1.23 تريليون دولار خلال العام الماضى، فيما وصل إلى 948 مليار دولار خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام الحالى، بزيادة 36٪ مقارنة بالفترة المقابلة، معتبرًا أن هذه الاختلالات تدفع دولًا أخرى إلى حماية أسواقها وفرض قيود تجارية، بما يعمق انقسام الاقتصاد العالمى ويحد من فرص النمو.
وأكد أن تباطؤ الطلب المحلى الصينى، خاصة فى ظل أزمة القطاع العقارى وتراجع أسعار المساكن وضعف الاستهلاك، إلى جانب ارتفاع أعباء الديون، يدفع نحو استمرار الاعتماد على التصدير، وهو ما يزيد الضغوط على الأسواق والدول النامية.
وفيما يتعلق بصناعة الحديد والصلب، قال «غالى» إن القطاع يواجه تحديات مرتبطة بتراجع الطلب الصينى، وفائض الإنتاج، وتزايد الصادرات إلى الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن الصين صدّرت نحو 119 مليون طن من الصلب خلال العام الماضى، فيما بلغت صادراتها 86 مليون طن حتى سبتمبر من العام الحالى، وفق الأرقام التى عرضها.
وأضاف أن تراجع الطلب داخل الصين قد يدفع إلى زيادة ضغوط التصدير، بما يؤدى إلى انخفاض الأسعار وخلق منافسة غير متكافئة بين الأسواق المفتوحة التى تستقبل المنتجات منخفضة السعر، والأسواق التى تحتمى بإجراءات الحماية والقيود التجارية.
وأشار إلى القيود المفروضة على صادرات الصلب المصرية إلى الأسواق الأوروبية، وما وصفه بالاتهامات غير العادلة بالإغراق، مشيرًا إلى أن الصادرات المصرية من الحديد والصلب تراجعت بنحو الثلثين خلال العام الحالى.
ونوه بأن إغلاق مضيق هرمز أحدث صدمة مباشرة لصناعة الصلب فى المنطقة العربية، نتيجة نقص إمدادات المواد الخام، ما انعكس على تراجع الإنتاج بنحو 20٪، بالتزامن مع تحول نمو الطلب من زيادة بلغت 18٪ خلال العام الماضى إلى انكماش يقدر بنحو 11٪ خلال العام الجارى، فى مؤشر على حجم الضغوط التى تواجه الصناعة فى ظل اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع النشاط.
وفى المقابل، تتيح التحولات الحالية فرصة أمام المنطقة العربية للتحول إلى مركز عالمى لإنتاج الصلب منخفض الكربون، فى ضوء امتلاكها مقومات الطاقة والغاز الطبيعى والموارد الشمسية، إلى جانب استحواذها على نحو 30٪ من الإنتاج العالمى للحديد المختزل مباشرة (DRI).
وأشار إلى أن نحو 60٪ من إنتاج الصلب فى مصر يعتمد على تكنولوجيا الاختزال المباشر، فيما يبلغ إنتاج السعودية نحو 10 ملايين طن، يأتى معظمه من المسار نفسه، متوقعًا انتقال الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة إلى المنطقة خلال فترة تتراوح بين 10 سنوات و15 عامًا.
وأوضح أن التحول إلى الإنتاج منخفض الكربون يتطلب استثمارات كبيرة وبنية تحتية مناسبة وآليات موثوقة لقياس الانبعاثات والتحقق منها، مشددًا على أهمية البدء فى تسجيل وتوثيق البصمة الكربونية للمنتجات الصناعية، بما يعزز قدرتها التنافسية فى الأسواق الخارجية.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تنسيقًا دوليًا وإقليميًا، وعدم الاكتفاء بإجراءات الدفاع التجارى المنفردة، لافتًا إلى أهمية تشكيل مجموعات عمل على المستوى الوطنى والإقليمى للتعامل مع تدفقات منتجات الصلب والمنتجات الوسيطة ومكونات الصناعة.
وطرح عددًا من التوصيات لمواجهة التحديات، تشمل تنويع مصادر المواد الخام ومدخلات الإنتاج، وإنشاء احتياطيات استراتيجية، وتعزيز التعاون اللوجيستى، وضمان توافر التمويل اللازم للمشروعات الصناعية، إلى جانب تنسيق المواقف بشأن المواصفات والمعايير التجارية وإجراءات حماية الأسواق.
وشدد على أن المنطقة قادرة على أن تصبح موردًا موثوقًا للصلب منخفض الكربون للأسواق العالمية، إذا تحركت دولها بصورة جماعية، وعملت على توحيد مواقفها فى القضايا التجارية والصناعية، والاستثمار فى قدراتها الإنتاجية، وحماية أسواقها بشكل مشترك، قائلًا إن «التحرك ككيان واحد والتحدث بصوت واحد» يمثلان شرطًا أساسيًا للاستفادة من الفرص المتاحة فى الاقتصاد العالمى.
- يوسف بطرس غالي: المنطقة العربية مؤهلة لتصبح موردًا عالميًا للصلب منخفض الكربون
- رئيس الاتحاد العربي: العالم يغلق أسواقه أمام الصلب العربي.. وفوائض الإنتاج العالمية تهدد باجتياح أسواقنا
- أحمد عز: الحمائية التجارية لم تعد استثناء وعدد التدابير على تجارة الصلب ارتفع إلى 395 تدبيرا خلال 2025
- رئيس شعبة المستوردين: معالجة التضخم تتطلب التركيز على زيادة المعروض السلعي وتعزيز الإنتاج بدلًا من الاكتفاء بالحد من الطلب
- انطلاق قمة الصلب العربي الـ 19 والمعرض الدولي للحديد اليوم






